محمد بن علي الشوكاني
5028
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
روي عن ابن مسعود وحذيفة أنهما كانا جالسين ، فجاء رجل ، فسألهما عن شيء فقال ابن مسعود لحذيفة : لأي شيء ترى تسألوني عن هذا ؟ قال : يعلمونه ثم يتركونه ، فأقبل إليه ابن مسعود وقال : ما سألتمونا عن شيء من كتاب الله نعلمه إلا أخبرناكم به ، أو سنة من نبي الله [ 1 ] إلا أخبرناكم ، ولا طاقة لنا بما أحدثتم . وقال عطاء : لما سئل عن شيء فقال : لا أدري ، فقيل له : ألا تقول برأيك ؟ قال : إني لأستحي من الله أن يدان في الأرض برأيي . وكان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله ، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به ، وإن لم يكن في الكتاب وعلم في ذلك سنة قضى بها ، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين ، فقال : أتاني كذا وكذا ، فإن لم يجد عندهم سنة ، جمع رؤوس الناس وخيارهم ، فإن أجمع رأيهم على أمر قضى به . وقال أمير المؤمنين عليه السلام : وأبردها على الكبد إذا سئلت عما لا أعم أن أقول : الله أعلم ( 1 ) . وجاء رجل إلى ابن عمر يسأله عن شيء فقال : لا علم لي ، ثم التفت بعد أن قفى الرجل ، فقال : نعم ، قال ابن عمر : سئل عما لا يعلم فقال : لا علم لي ؛ يعني نفسه ( 2 ) . قال ابن عباس لما رأى طاوسًا يصلي ركعتين بعد العصر ، فقال ابن عباس : اتركهما ، فقال طاوس : إنما نهى عنها أن تتخذ سلمًا ، قال ابن عباس : فإنه قد نهى عنها فلا أدري أتعذب عليها أم تؤجر ؛ لأن الله تعالى يقول : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } ( 3 ) .
--> ( 1 ) أخرجه ابن عبد البر في " جامع بيان العلم " رقم ( 1569 ) . ( 2 ) أخرجه ابن عبد البر في " جامع بيان العلم " رقم ( 1566 ) بسند صحيح . ( 3 ) [ الأحزاب : 36 ] . أخرجه ابن كثير في تفسيره ( 6 / 423 ) وابن أبي حاتم في تفسيره ( 9 / 3134 - 3135 رقم 17688 ) ، وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ( 6 / 610 ) وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وعبد الرزاق . فهذه الآية عامة في جميع الأمور ، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد هاهنا ، ولا رأي ، ولا قول .